مقال من الالم يولد الامل

2026-05-07

مقال من الالم يولد الامل

((مقال)) نظمت  وحدة شؤون المرأة وبالتعاون مع  الأستاذ الدكتورة هديل رعد تحسين في  كلية التربية للبنات  مقال بعنوان

(من الألم يولد الأمل… قصة كفاح طالبة)

يحدثُنا المقال عن قصة طالبة في كلية التربية للبنات قسم العربي وكان نص المقال

((السلام عليكم ورحمة الله وبركاته…

في قلب محافظة الأنبار، وتحديدًا في منطقة الكرمة، تنسج الطالبة نور حامد شهاب حكاية استثنائية من الصبر والكفاح، حكاية لا تشبه إلا أصحاب الإرادة الصلبة الذين يحوّلون المحن إلى منح، والآلام إلى دروب مضيئة بالأمل.

تبدأ قصة نور قبل أحداث عام 2014، حين كانت طالبة في الصف السادس الإعدادي (الفرع الأدبي)، إلا أن الظروف الأمنية القاسية آنذاك حالت دون إتمامها امتحاناتها النهائية، لتجد نفسها أمام منعطف حاسم غيّر مجرى حياتها بالكامل. وفي نهاية العام ذاته، انتقلت إلى مرحلة جديدة بالزواج، لتُرزق لاحقًا بطفلين، لكن سرعان ما واجهت اختبارًا أشد قسوة تمثّل في اعتقال زوجها، الذي كان لها السند والرفيق.

لم يكن الفقد سهلًا، فقد كان زوجها أقرب إليها من روحها، وكان غيابه من أقسى ما مرّت به، لكنها لم تستسلم. بل وجدت نفسها أمام مسؤولية كاملة، تتحمل أعباءها وحدها، مستحضرة قول النبي ?: "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته". ومنذ تلك اللحظة، انقلبت حياتها رأسًا على عقب، لكنها واجهت ذلك كله بحمد الله والصبر.

كانت الخياطة هواية تمارسها قبل زواجها، لكنها تحولت بعد اعتقال زوجها إلى وسيلة عيش. ورغم أن بيئتها الريفية لم تساعد على نجاح هذا المشروع، حاولت البحث عن عمل آخر، حتى فكّرت بالعمل في معمل للنسيج، إلا أن القيود الاجتماعية حالت دون ذلك. ومع تصاعد الضغوط النفسية والمجتمعية، تعرضت نور لانهيارات عصبية شديدة، بلغ أحدها حد فقدان الذاكرة المؤقتة، حتى أنها لم تعد تتذكر أسماء أطفالها.

لكن وسط هذا الظلام، بزغ نور الأمل من جديد، حين وافق أهلها على عودتها للدراسة، فوجدت فيها متنفسًا من الألم، وبداية طريق نحو استعادة ذاتها. ورغم تعثرها في البداية، حيث لم تنجح إلا في ثلاث مواد، إلا أنها عوّضت ذلك في الدور الثاني، لتفتح صفحة جديدة من حياتها الجامعية.

كانت بداية الدراسة الجامعية مليئة بالتحديات، خاصة في ظل غياب الدخل، لكن الله هيأ لها من يعينها، إذ تكفّل أحد المحسنين بدفع أقساط دراستها، كما حصلت على راتب من الرعاية الاجتماعية ساعدها في تغطية نفقات التنقل. وهكذا بدأت رحلتها الجامعية بعزيمة جديدة.

لم تكن الحياة سهلة في هذه المرحلة، فقد كانت توفق بين الدراسة، ورعاية طفليها، والعمل في الخياطة إن توفر، بل وعملت لاحقًا كمحاضِرة في مدرسة ابتدائية (سد شاغر)، فكان يومها يبدأ باكرًا وينتهي متأخرًا، بين التدريس في الصباح، والالتحاق بالجامعة، ثم متابعة شؤون أطفالها مساءً. ورغم الإرهاق الجسدي الشديد، كانت ترى فيه أهون من معاناتها النفسية السابقة.

كما كانت زياراتها لزوجها في سجن الناصرية رحلة شاقة، تستنزف طاقتها الجسدية والنفسية، حتى تحتاج إلى أيام للتعافي بعدها، لكنها لم تنقطع عن دعمه والوقوف إلى جانبه.

وفي المرحلة الثانية، استمرت في كفاحها بين الدراسة والعمل، حتى ظنت أن بابًا جديدًا قد فُتح لها حين ظهر اسمها ضمن قوائم التعيين في عقود التربية، لكنها صُدمت لاحقًا بأن الأمر كان تشابه أسماء، لتواجه خيبة أمل جديدة، لكنها قابلتها برضا وتسليم، مؤمنة بأن الله يدخر لها ما هو أفضل.

أما في المرحلة الثالثة، فقد خاضت تجربة أكثر قسوة، حين قررت استثمار قطعة أرض زراعية رغم عدم امتلاكها الخبرة الكافية. عملت بجهد شاق، تواجه صعوبة السقي والعمل اليدوي، حتى اضطرت في بعض الأحيان للنزول إلى الماء والطين لإتمام العمل، متحملة مشقة لا يقدرها إلا من عاشها.

وفي خضم هذا التعب، كانت تستحضر قول الله تعالى:

"لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها"،

فتجد في هذه الآية سلوى لقلبها، وعونًا لها على الاستمرار.

لقد واجهت نور مواقف صعبة حتى أثناء امتحاناتها، فاضطرت أحيانًا لطلب تأجيلها بسبب ظروفها القاسية، فوجدت من بعض أساتذتها دعمًا إنسانيًا يُذكر فيُشكر، فكان لذلك الأثر الكبير في مواصلة طريقها.

إن قصة نور حامد شهاب ليست مجرد حكاية معاناة، بل هي درس عميق في الصبر، والإيمان، والإصرار. إنها نموذج حيّ لامرأة لم تستسلم رغم قسوة الظروف، بل واجهت الحياة بثبات، مؤمنة بأن كل ما تمر به هو بقدر الله، وأن الفرج يأتي بعد الصبر.

وفي الختام، تبقى نور مثالًا يُحتذى به لكل من يواجه صعوبات الحياة، ودليلًا على أن الإنسان قادر، بإيمانه وعزيمته، على تجاوز أقسى المحن، وصناعة مستقبله بيديه، مهما كانت التحديات.))

تهيئة الطابعة   العودة الى صفحة تفاصيل الخبر